فصل: قال ابن عاشور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



لتنزهه عز وجل عن الاحتياج وتقدسه تعالى عن مماثلة أحد.
{وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} يشاركه سبحانه في الألوهية {إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ} أي لاستبد بالذي خلقه واستقل به تصرفًا وامتاز ملكه عن ملك الآخر {وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ} ولوقع التحارب والتغالب بينهم كما هو الجاري فيما بين الملوك والتالي باطل لما يلزم من ذلك نفي ألوهية الجميع أو ألوهية ما عدا واحدًا منهم وهو خلاف المفروض أو لما أنه يلزم أن لا يكون بيده تعالى وحده ملكوت كل شيء وهو باطل في نفسه لما برهن عليه في الكلام وعند الخصم لأنه يقول باختصاص ملكوت كل شيء به تعالى كما يدل عليه السؤال والجواب السابقان آنفًا كذا قيل، ولا يخفى أن اللزوم في الشرطية المفهومة من الآية عادي لا عقلي ولذا قيل: إن الآية إشارة إلى دليل إقناعي للتوحيد لا قطعي.
وفي الكشف قد لاح لنا من لطف الله تعالى وتأييده أن الآية برهان نير على توحيده سبحانه، وتقريره أن مرجح الممكنات الواجب الوجود تعالى شأنه جل عن كل كثرة أما كثرة المقومات أو الأجزاء الكمية فبينة الانتفاء لإيذانها بالإمكان، وأما التعدد مع الاتحاد في الماهية فكذلك للافتقار إلى المميز ولا يكون مقتضى الماهية لاتحادهما فيه فيلزم الإمكان، ثم المميزان في الطرفين صفتا كمال لأن الاتصاف بما لا كمال فيه نقص فهما ممكنان مفتقران في الوجود إلى مكمل خارج هو الواجب بالحقيقة، وكذلك الافتقار في كمال ما للوجود يوجب الإمكان لإيجابه أن يكون فيه أمر بالفعل وأمر بالقوة واقتضائه التركيب والإمكان.
ومن هنا قال العلماء: إن واجب الوجود بذاته واجب بجميع صفاته ليس له أمر منتظر ومع الاختلاف في الماهية يلزم أن لا يكون المرجح مرجحًا أي لا يكون الإله إلهًا لأن كل واحد واحد من الممكنات إن استقلا بترجيحه لزم توارد العلتين التامتين على معلول شخصي وهو ظاهر الاستحالة فكونه مرجحًا إلهًا يوجب افتقار إليه وكون غيره مستقلًا بالترجيح يوجب الاستغناء عنه فيكون مرجحًا غير مرجح في حالة واحدة، وإن تعاونا فكمثل إذ ليس ولا واحد منهما بمرجح وفرضًا مرجحين مع ما فيه من العجز عن الإيجاد والافتقار إلى الآخر، وإن اختص كل منهما ببعض مع أن الافتقار إليهما على السواء لزم اختصاص ذلك المرجح بمخصص يخصصه بذلك البعض بالضرورة وليس الذات لأن الافتقار إليهما على السواء فلا أولوية للترجيح من حيث الذات ولا معلول الذات لأنه يكون ممكنًا والكلام فيه عائد فيلزم الحال من الوجهين الأولين أعني الافتقار إلى مميز غير الذات ومقتضاها ولزوم النقص لكل واحد لأن هذا المميز صفة كمال ثم مخصص كل بذلك التمييز هو الواجب الخارج لا هما، وإلى المحال الأول الإشارة بقوله تعالى: {إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ} وهو لازم على تقدير التخالف في الماهية واختصاص كل ببعض، وخص هذا القسم لأن ما سواه أظهر استحالة، وإلى الثاني الإشارة بقوله سبحانه: {وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ} أي إما مطلقًا وإما من وجه فيكون العالي هو الإله أو لا يكون ثم إله أصلًا وهذا لازم على تقديري التخالف والاتحاد والاختصاص وغيره فهو تكميل للبرهان من وجه وبرهان ثان من آخر، فقد تبين ولا كفرق الفجر أنه تعالى هو الواحد الأحد جعل وجده زائدًا على الماهية أولًا فاعلًا بالاختيار أولا، وليس برهان الوحدة مبنيًا على أنه تعالى فاعل بالاختيار كما ظنه الإمام الرازي قدس سره انتهى، وهو كلام يلوم عليه مخايل التحقيق، وربما يورد عليه بعض مناقشات تندفع بالتأمل الصادق.
وما أشرنا إليه من انفهام قضية شرطية من الآية ظاهر جدًا على ما ذهب إليه الفراء فقد قال: إن إذًا حيث جاءت بعدها اللام فقبلها لو مقدرة إن لم تكن ظاهرة نحو {إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ} فكأنه قيل: لو كان معه ءالهة كما تزعمون لذهب كل الخ.
وقال أبو حيان: إذا حرف جواب وجزاء ويقدر قسم يكون {لَذَهَبَ} جوابًا له، والتقدير والله إذا أي إن كان معه من إله لذهب وهو في معنى ليذهبن كقوله تعالى: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّواْ} [الروم: 51] أي ليظلن لأن إذًا تقتضي الاستقبال وهو كما ترى، وقد يقال: إن إذا هذه ليست الكلمة المعهودة وإنما هي إذًا الشرطية حذفت جملتها التي تضاف إليها وعوض عنها التنوين كما في يومئذ والأصل إذا كان معه من إله لذهب الخ، والتعبير بإذا من قبيل مجاراة الخصم، وقيل: {كُلُّ إله} لما أن النفي عام يفيد استغراق الجنس و{مَا} في {بِمَا خَلَقَ} موصولة حذف عائدها كما أشرنا إليه.
وجوز أن تكون مصدرية ويحتاج إلى نوع تكلف لا يخفى.
ولم يستدل على انتفاء اتخاذ الولد إما لغاية ظهور فساده أو للاكتفاء بالدليل الذي أقيم على انتفاء أن يكون معه سبحانه إله بناء على ما قيل إن ابن الإله يلزم أن يكون إلهًا إذ الولد يكون من جنس الوالد وجوهره وفيه بحث {سبحان الله عَمَّا يَصِفُونَ} مبالغة في تنزيهه تعالى عن الولد والشريك، وما موصولة وجوز أن تكون مصدرية.
وقرىء {تَصِفُونَ} بتاء الخطاب.
{عالم الغيب والشهادة} أي كل غيب وشهادة، وجر {عالم} على أنه بدل من الاسم الجليل أو صفة له لأنه أريد به الثبوت والاستمرار فيتعرف بالإضافة.
وقرأ جماعة من السبعة وغيرهم برفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو عالم، والجر أجود عند الأخفش والرفع أبرع عند ابن عطية، وأيًا ما كان فهو على ما قيل إشارة إلى دليل آخر على انتفاء الشريك بناء على توافق المسلمين والمشركين في تفرده تعالى بذلك.
وفي الكشف أن في قوله سبحانه: {عالم} إلخ إشارة إلى برهان آخر راجع إلى إثبات العلو أو لزوم الجهل الذي هو نقص وضد العلو لأن المتعددين لا سبيل لهما إلى أن يعلم كل واحد حقيقة الآخر كعلم ذلك الآخر بنفسه بالضرورة وهو نوع جهل وقصور، ثم علمه به يكون انفعاليًا تابعًا لوجود المعلوم فيكون في إحدى صفات الكمال أعني العلم مفتقرًا وهو يؤذن بالنقصان والإمكان {فتعالى} الله {عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفريع على كونه تعالى عالمًا بذلك كالنتيجة لما أشار إليه من الدليل.
وقال ابن عطية: الفاء عاطفة كأنه قيل علم الغيب والشهادة فتعالى كما تقول زيد شجاع فعظمت منزلته على معنى شجع فعظمت، ويحتمل أن يكون المعنى فأقول تعالى إلخ على أنه إخبار مستأنف. اهـ.

.قال الشنقيطي:

{مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ}.
بين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل:
الأولى: أنه لم يتخذ ولدًا سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
والثانية: أنه لم يكن معه إله آخر سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
والثالثة: أنه أقام البرهان على استحالة تعدد الآلهة بقوله: {إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ} أما ادعاؤهم له الأولاد، فقد بينا الآيات الدالة على عظم فريتهم في ذلك، وظهور بطلان دعواهم، ورد الله عليهم في ذلك مواضع متعددة، فقد أوضحناه في سورة النحل في الكلام، على قوله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى} [النحل: 57-58] الآية. وذكرنا طرفًا منه في أول الكهف في الكلام على قوله: {وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا} [الكهف: 4] وفي مواضع غير ما ذكر، فأغنى ذلك عن إعادته.
وأما تفرده تعالى بالألوهية مع إقامة الدليل على ذلك فقد بيناه، وذكرنا ما يدل عليه من الآيات في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: {قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلًا} [الإسراء: 42] ولم نتعرض لما يسميه المتكلمون دليل التمانع، لكثرة المناقشات الواردة على أهل الكلام فيه، وإنما بينا الآيات، بالقرآن على طريق الاستدلال القرآني بها فأغنى ذلك عن إعادته هنا. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ}.
أتبع الاستدلال على إثبات الوحدانية لله تعالى بالاستدلال على انتفاء الشركاء له في الإلهية.
وقدمت النتيجة على القياس لتجعل هي المطلوب فإن النتيجة والمطلوب متحدان في المعنى مختلفان بالاعتبار، فهي باعتبار حصولها عقب القياس تسمى نتيجة، وباعتبار كونها دعوى مقام عليها الدليل وهو القياس تسمى مطلوبًا كما في علم المنطق.
ولتقديمها نكتة أن هذا المطلوب واضح النهوض لا يفتقر إلى دليل إلا لزيادة الاطمئنان فقوله: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله} هو المطلوب وقوله: {إذًا لذهب كل إله بما خلق} إلى آخر الآية هو الدليل.
وتقديم هذا المطلوب على الدليل أغنى عن التصريح بالنتيجة عقب الدليل.
وذكر نفي الولد استقصاء للرد على مختلف عقائد أهل الشرك من العرب فإن منهم من توهم أنه ارتقى عن عبادة الأصنام فعبدوا الملائكة وقالوا: هم بنات الله.
وإنما قدم نفي الولد على نفي الشريك مع أن أكثر المشركين عبدة أصنام لا عبدة الملائكة نظرًا إلى أن شبهة عبدة الملائكة أقوى من شبهة عبدة الأصنام لأن الملائكة غير مشاهدين فليست دلائل الحدوث بادية عليهم كالأصنام، ولأن الذين زعموهم بنات الله أقرب للتمويه من الذين زعموا الحجارة شركاء لله، وقد أشرنا إلى ذلك آنفًا عند قوله تعالى: {قل من رب السماوات السبع} [المؤمنون: 86] الآية.
و إذن حرف جواب وجزاء لكلام قبلها ملفوظ أو مقدر.
والكلام المجاب هنا هو ما تضمنه قوله: {وما كان معه من إله} فالجواب ضد ذلك النفي.
وإذ قد كان هذا الضد أمرًا مستحيل الوقوع تعين أن يقدر له شرط على وجه الفرض والتقدير، والحرف المعد لمثل هذا الشرط هو لو الامتناعية، فالتقدير: ولو كان معه إله لذهب كل إله بما خلق.
وبقاء اللام في صدر الكلام الواقع بعد إذن دليل على أن المقدر شرط لو لأن اللام تلزم جواب لو ولأن غالب مواقع إذن أن تكون جواب لو فلذلك جاز حذف الشرط هنا لظهور تقديره.
وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: {إنكم إذن مثلهم} في سورة النساء (140).
فقوله: {إذن لذهب كل إله بما خلق} استدلال على امتناع أن يكون مع الله آلهة.
وإنما لم يستدل على امتناع أن يتخذ الله ولدًا لأن الاستدلال على ما بعده مغن عنه لأن ما بعده أعم منه وانتفاء الأعم يقتضي انتفاء الأخص فإنه لو كان لله ولد لكان الأولاد آلهة لأن ولد كل موجود إنما يتكون على مثل ماهية أصله كما دل عليه قوله تعالى: {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} [الزخرف: 81] أي له.
والذهاب في قوله: {لذهب كل إله} مستعار للاستقلال بالمذهوب به وعدم مشاركة غيره له فيه.
وبيان انتظام هذا الاستدلال أنه لو كان مع الله ءالهة لاقتضى ذلك أن يكون الآلهة سواء في صفات الإلهية وتلك الصفات كمالات تامة فكان كل إله خالقًا لمخلوقات لثبوت الموجودات الحادثة وهي مخلوقة، فلا جائز أن تتوارد الآلهة على مخلوق واحد لأن ذلك: إما لعجز عن الانفراد بخلق بعض المخلوقات وهذا لا ينافي الإلهية، وإما تحصيل للحاصل وهو محال، فتعين أن ينفرد كل إله بطائفة من المخلوقات.
ولنفرض أن تكون مخلوقات كل إله مساوية لمخلوقات غيره بناء على أن الحكمة تقتضي مقدارًا معينًا من المخلوقات يعلمها الإله الخالق لها؛ فتعين أن لا تكون للإله الذي لم يخلق طائفة من المخلوقات ربوبيةٌ على ما لم يخلقه وهذا يفضي إلى نقص في كل من الآلهة وهو يستلزم المحال لأن الإلهية تقتضي الكمال لا النقص.
ولا جرم أن تلك المخلوقات ستكون بعد خلقها معرضة للزيادة والنقصان والقوة والضعف بحسب ما يحف بها عن عوارض الوجود التي لا تخلو عنها المخلوقات كما هو مشاهد في مخلوقات الله تعالى الواحد.
ولا مناص عن ذلك لأن خالق المخلوقات أودع فيها خصائص ملازمة لها كما اقتضته حكمته، فتلك المخلوقات مظاهر لخصائصها لا محالة فلا جرم أن ذلك يقتضي تفوق مخلوقات بعض الآلهة على مخلوقات بعض آخر بعوارض من التصرفات والمقارنات لازمة لذلك، لا جرم يستلزم ذلك كله لازمين باطلين:
أولهما: أن يكون كل إله مختصًا بمخلوقاته فلا يتصرف فيها غيره من الآلهة ولا يتصرف هو في مخلوقات غيره، فيقتضي ذلك أن كل إله من الآلهة عاجز عن التصرف في مخلوقات غيره.